
وكمحاميين عن خصمين تبارزنا الأستاذ حباب وأنا بشدة دفاعاً عن حقوق موكلينا في القضية، وألقينا في ساحة المحكم، كل ما في جعبتنا من اجتهادات وآراء فقهية تدعم موقف موكلينا في القضية، بغية إقناعه بعلو كعب الموكل في النزاع.
وكان كل منا يتباهى بهذا الرأي الذي استند إليه من هذا الفقيه، أو بذاك الاجتهاد الذي اتكأ عليه من تلك المحكمة،
ومن المعلوم أن تبادل الدفوع بين الخصوم معززة بالآراء الفقهية والاجتهادات، أمر مألوف في التقاضي،
ولكن من غير المألوف أن يصدر القاضي قراراً إعدادياً في القضية معززاً بالآراء والاجتهادات.
“صباح الركابي” المحكم فعل ذلك….
ففي إحدى مفاصل القضية المحورية أصدر قراراً إعدادياً مسهباً، استند في على الآراء والاجتهادات، من مراجع عديدة، أحد هذه المراجع لم نكن الأستاذ حباب وأنا قد سمعنا به أصلا!!
فسألناه وقتها نحن الاثنين بعدما تلا القرار، عن مرجع استند إليه، وقلنا له بلهجة عامية لا تخلو من حذلقة:
صباح بيك: من وين جبتلنا “فابيا وصفا”؟؟
ومن وين جبت هذا المرجع؟؟
افضل محامي في جدة
فنظر إلينا بابتسامة خفيفة لا تخلو من مكر، وكان نادراً ما يبتسم رحمه الله، وأشار للمرجع خلفه بالمكتبة بدون أن يتكلم، وكانت نظرته إلينا تحمل رسالة مؤداها:
لا تتشاطروا عليّ بالمراجع، وإلا وضعتكم بجيبي الصغير….
وهكذا سار التحكيم، فكانت كل قرارات المحكم الإعدادية مسببة ولا تخلو من سند.
استغرق هذا التحكيم مدة خمس سنوات كاملة وزهاء 200 جلسة تحكيم، بمعدل جلسة في الأسبوع (كل ثلاثاء الساعة الواحدة ظهراً)،
عالج المحكم القضية بمنتهى الاقتدار والمهنية، فلم يترك شاردة أو واردة فيها إلاّ ومحّصها، وفصصها تفصيصاً، (طبعاً كانت مدة التحكيم مفتوحة باتفاق الطرفين).
كانت حرفية وجدية هذا المحكم الجليل عالية لدرجة أننا لم نتمكن أنا والأستاذ حباب طيلة سير القضية من التكهن نهائياً، بمن سيربح التحكيم، وماذا سيكون القرار حتى الجلسة الأخيرة حينما نطق المحكم بالحكم.
خاتمة: التحكيم.. “طوق النجاة” لاستثمارات لا تحتمل الانتظار
ختاماً، إن استعراضنا لهذه القضية التحكيمية التجارية المميزة يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التحكيم في المملكة العربية السعودية لم يعد مجرد “خيار بديل”، بل أصبح “الخيار الأول” للشركات الكبرى والمستثمرين الذين يدركون أن “الوقت هو المال”. الدرس الأهم المستفاد هنا هو أن سرعة الفصل في النزاع، وسرية الجلسات التي تحافظ على سمعة التجار، هي مكاسب لا يمكن أن يوفرها القضاء العادي بنفس الكفاءة والمرونة.
وعليه، فإن “التميز” في هذه القضية لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة صياغة دقيقة لـ “شرط التحكيم” منذ البداية، واختيار محامي تحكيم يمتلك عقلية “القاضي الخاص” والقدرة على إدارة خصومة فنية معقدة. نصيحتنا لكل تاجر ومستثمر: لا تنتظر وقوع النزاع لتبحث عن حل، بل حصّن عقودك بشرط تحكيم محكم، وضع ملفك بيد خبير يعرف كيف يحول هذا الشرط إلى حكم نهائي ملزم، يعيد لك حقك وأنت في قمة استقرارك التجاري.
مقالات قانونية متصلة بمقالنا قضية تحكيمية تجارية مميزة من محامي تحكيم
رفع دعوى إعسار عن تنفيذ المبالغ المحكوم بها لطالب التتفيذ..
صيغة وكالة لمراجعة الدوائر الحكومية
عقد إيجار وهمي لحساب المواطن بيد محامي ايجارات سعودي
ديوان المظالم تقديم شكوى بواسطة محامي متخصص بديوان المظالم
اسماء المحامين المعتمدين في جدة من وزارة العدل
التبليغ عن الاحتيال المالي بواسطة محامي جنائي جدة
رحم الله صباح بيك الركابي فقد تعلمت منه الكثير من القانون ومن فنون المحاماة، وتعلمت في هذه القضية التحكيم من الألف إلى الياء.
أرجو أن يتسع الوقت يوماً للحديث عنها.