بحث ودراسة قانونية عن التوقيع على بياض

0
(0)

أولاً- في المبدأ:

لا يُشتَرط لصحة الأوراق العرفية إلا التوقيع عليها ومن الجائز أن يكون هذا التوقيع على بياض فقد جاء في الصفحة 179 الفقرة 193 من الجزء الأول من مؤلف رسالة الإثبات في التعهدات للأستاذ أحمد نشأت ما يلي { لما كان لا يشترط لتحرير العقد العرفي أي شرط إلا التوقيع جازَ أن يكونَ هذا التوقيع على بياض} كما جاء في الصفحة 380 من مؤلف الإثبات للأستاذ أنس كيلاني ما يلي { تقتضي القواعد القانونية مبدئياً ليكون للسند العادي قوتهُ الثبوتية أن يتوافر شرطان التوقيع والكتابة، إلا أن هذا لا يمنع من التوقيع على بياض ويُكلف من سلمهُ السند بتحرير الإلتزام }، وإن المرء ملزم بتوقيعه فالعقد أو السند أو أية ورقة عرفية موقعة على بياض تتمتع بقوة في الإثبات وفي إنتاجها للآثار القانونية المترتبة عليها ذلك أن الورقة الموقعة على بياض عندما تُملأ فوق التوقيع تصبحُ قيمتها كأية ورقة كُتِبت ثم وقِعَت وإنَ من وقَّع على بياض يعتبر أنه قد أجاز العقد أو فوضَ المُوقَّع لهُ إملاء الورقة، وإن التوقيع على بياض ليس فيه مخالفة للنظام العام ولا يجوز إثبات ما يناقض الوثيقة أو السند الموقع على بياض إلا بدليل خطي، ولا يعتبر الإملاء فوق التوقيع تزويراً طالما أن التوقيع كان صحيحاً في ذيل السند أو أقرَّ صاحب التوقيع بصحة توقيعه في ذيل السند، وهو ما استقر عليه الاجتهاد القضائي من أن:

(( إن الدفع بأن التوقيع جرى على بياض لا يفيد المدعى عليه بشيء بحسبان أن المرء ملزم بتوقيعه ولو كان على بياض … قرار نقض 1917 أساس 1749 تاريخ 2005/11/28 منشور في الصفحة 328 من مجموعة أحكام النقض في قانون البينات للأستاذ عبد القادر جار الله الألوسي قاعدة رقم 538)).

((التوقيع على بياض يعني أن الموَقِّع قد رضى سلفاً بما سيمليه حامل السند وبالتالي يعتبر حجة بما ورد فيه باعتباره ارتضى بما سيدون فيه ولا يجوز إثبات ما يناقض هذا السند إلا بدليل خطي وفق ما استقر عليه اجتهاد محكمة النقض …. محكمة النقض الغرفة المدنية الأولى قرار 370 أساس 297 تاريخ 2000/10/31 منشور في الصفحة 280 من الجزء الأول من مؤلف الإثبات في القضايا المدنية والتجارية للمحامي الدكتور محمد أديب الحسيني قاعدة رقم 555)).

((إن التوقيع على بياض ليس فيه مخالفة للنظام العام … محكمة النقض الغرفة المدنية الثالثة قرار 651 أساس 791 تاريخ 1999/3/14 منشور في المرجع السابق ص 281 قا 556)).

((من المستقر عليه أن توقيع الورقة على بياض يفيد التفويض بإملائها حسب الاتفاق وأنه لا يجوز أن ما دُوِنَ هو خلاف المتفق عليه إلا وفق القواعد العامة قرار نقض 1965 تاريخ 1981/11/3… محكمة النقض الغرفة المدنية الأولى قرار 1031 أساس 1195 تاريخ 2005/8/23 منشور في المرجع السابق ص 283 قا 562)).

ثانياً-الأصل في التوقيع على بياض والتوصيف القانوني لواقعة تسليم السند المُوَقَّع على بياض:

الأصل في التوقيع على بياض أنه يقوم على الثقة التامة بين من وَقَّعَ السند أو الوثيقة على بياض وبين مُستلِم ذلك السند أو تلك الوثيقة في أن يُدَوِنَ فيه لاحقاً ما اتفقا عليه وعدم حذر المُوَقِّع على بياض من شخص مُستلمِ تلكِ الوثيقة، إذ لولا تلك الثقة التامة لما جرى التوقيع على بياض وتسليمه إلى شخص المستلم، وفي هذا يقول الأستاذ أحمد نشأت ضمن الصفحة 179 الفقرة 193 من الجزء الأول من مؤلفه رسالة الإثبات في التعهدات وتحت عنوان التوقيع على بياض ما يلي: { لا يحصلُ مثل ذلك إلا عند وجود الثقة التامة بمن تُسلِم إليه ورقة من هذا النوع }.

وعليه،،، فإن التوصيف الفعلي والقانوني للتوقيع على بياض وواقعة تسليم السند أو الوثيقة المُوقَّعةَ على بياض إلى شخص المُستلِم هي أن من وقَّعَ على بياض قد إئتمنَ شخصَ من استلم ذلك السند ليُدَوِنَ فيه لاحقاً ما اتفقا عليه وفي هذا يقول الأستاذ أحمد نشأت ضمن الصفحة 179 الفقرة 193 من الجزء الأول من مؤلفه رسالة الإثبات في التعهدات وتحت عنوان التوقيع على بياض وبدلالة واضحة على موضوع الأمانة ما يلي: { وهو أمر يدل على أي حال على عدم حذر صاحبه ،”أي صاحب التوقيع على بياض”، لأنه حتى إذا كان الشخص المسلمة له الورقة إبناً أو زوجاً أو صديقاً أو وكيلاً أميناً أو أي شخص آخر جدير بهذه الأمانة، فإنه من الجائز أن يفقدها فتقع في يد من يستغلها ولا يرحمُ صاحبها }.

بالتالي فإذا ما حرر مُستلِم السند أو الوثيقة على ذلك السند أو تلك الوثيقة خلافاً لما تم الاتفاق عليه مع من وَقَّعَ على بياض أُعتِبر المُستَلِم والحال هذه خائناً للأمانة، إنما يقع على عاتق من وَقَّعَ على بياض إثبات أن ما دُوِنَ في السند كان خلافاً لما هو متفق عليهوفق ما سنأتي على شرحه لاحقاً، وفي هذا فإنني أستندُ إلى القرار رقم 180 أساس 283 تاريخ 1971/7/29 “غير منشور” الصادر عن هيئة محكمة الاستئناف المدنية الثالثة بدمشق المؤلفة في حينه برئاسة الأستاذ فياض عبيد وعضوية المستشاران عطا البكري وعدنان دملج والصادر اتباعاً للنقض في القضية التي كانت منظورة أمام هيئة تلك المحكمة حيث جاء فيه ما يلي:

((لما كان يتبين من تدقيق حكم محكمة النقض أنه فصل في النقطة القانونية المثارة من أن مجرد التوقيع على بياض ليس من شأنه أن يُفقِدَ السند قيمته بالإثبات كأي سند عادي ما لم يُثبِت الصادر عنه التوقيع أن من سَلَمَ إليه السند خانَ الأمانة وحرر فيه خلافاً لرضا المدين، وأنه يقع على عاتق المدين إثبات أن ما دُوِنَ في السند كان خلافاً لما كان متفقاً عليه مع المورث الذي حُرِرَ السند لمصلحته.

ولما كان مفادُ ذلك عدم وجود فارق بين شخص الوارث أو المورث في تحرير متن السند المُوقَّع على بياض فيما إذا كان ما جرى تحريرهُ مطابقاً للحقيقة ولما انعقدت عليه إرادةُ الطرفين عندما وَقَّعَ المدين السند على بياض وسلمهُ للدائن.

ولما كان مجرد إملاء السند برقم غير مطابق لحقيقة الدين المترتب بذمة المدين يشكلُ خيانة الأمانة ويُفقد السند قيمته الثبوتية)).

كما جاء في قرار آخر لمحكمة النقض ما يلي:
((التوقيع على بياض يعني أنه رضى مسبقاً بما سيملئ في متن الورقة من البيانات المُتفق عليها، فيقع على عاتق من سلَّمَ السند حاملاً توقيعهُ على بياض إثبات تسليم الورقة موقعة على بياض إثبات تسليم الورقة موقعة على بياض وخيانة من تسلمها، ويراعى بذلك القواعد العامة المقررة للإثبات نقض قرار 436 أساس 191 تاريخ 2002/5/20…. منشور في الصفحة 301 من مجموعة أحكام النقض في قانون البينات للأستاذ عبد القادر جار الله الألوسي قاعدة رقم 478)).

ثالثاً- هل يعتبر تدوين حامل السند المُوقّع على بياض لما هو غير متفق عليه مع صاحبِ التوقيع على بياض تزويراً ومتى يكون التزوير:

إن واقعة تدوين حامل السند المُوقّع على بياض لما هو غير متفق عليه مع صاحب التوقيع على بياض لا تعتبر تزويراً باعتبار أن التزوير يطالُ فقط التوقيع إن تم تزويرهُ أما التوقيع الصحيح الجاري على الورقة على بياض فهو من حيث المبدأ تفويض من المُوقِّع للحامل بأن يُدَوِنَ فيها ما يريد وعلى من وَقّعَ على بياض إثبات أن ما دُوِنَ في الورقة كان خلافاً لما هو متفق عليه وفق ما سنأتي على شرحه لاحقاً، وفي هذا يقول المرحوم الأستاذ محمد فهر شقفة في الصفحة 44 من مؤلفهِ الإثبات بالبينة الشخصية في القضايا المدنية والتجارية والشرعية والجزائية ما يلي: { إذا كانت الورقة موقعة على بياض فلا يعتبر تدوين حاملها فيها غير المتفق عليه تزويراً لأن توقيعها على بياض يعتبر تفويضاً من المُوقِّع للحامل أن يُدَوِنَ فيها ما يشاء }، وهو ما استقر عليه اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض واجتهاد محكمة النقض من أن:

((إن توقيع السند على بياض يعتبر تفويضاً من الموقِع لحامل السند أن يُدَوِنَ فيه ما يشاء.
الاجتهاد القضائي مستقر على أن التوقيع على بياض لا يعتبر من حامل السند إذا دَوَنَ فيه غير المتفق عليه تزويراً لأن توقيعه على بياض يعتبر تفويضاً من المُوقِّع للحامل أن يُدَوِنَ فيه ما يشاء /قرار نقض 479 تاريخ 1967/10/6 والقرار 1891/1431 لعام 1980… هيئة عامة قرار 145 أساس 217 تاريخ 2006/4/25 منشور في الصفحة 280 من الجزء الأول من مؤلف الإثبات في القضايا المدنية والتجارية للمحامي الدكتور محمد أديب الحسيني قاعدة رقم 554))

((إن من أعطى توقيعه على بياض فهو الذي يتحمل نتيجة هذا التوقيع على بياض، وإن الإملاء فوق التوقيع لا يعتبر تزويراً طالما أن المدعى عليه أقرَّ بتوقيعه الواقع في ذيلِ السند ولم يثبت عكس ما جاء بالوثيقة …. محكمة النقض الغرفة المدنية الأولى قرار 205 أساس 147 تاريخ 1997/4/26 منشور في المرجع السابق ص 280 قا 553)).

أما إذا استحصل الغير على السند أو الورقة المُمضَاة على بياض وقامَ بإملاء محتواها لمصلحته فإنه يُعد والحال هذه مزوراً ويعاقب بعقوبة التزوير وفي هذا يقول الأستاذ أحمد نشأت ضمن الصفحة 196 الفقرة 211 من الجزء الأول من مؤلفه رسالة الإثبات في التعهدات ما يلي: { كما أُعتِبرَ خائناً للأمانة من ائتُمن على ورقة ممضاة أو مختومة على بياض فكتبَ في البياض الذي فوق الختم أو الإمضاء سند دين أو مخالصة أو غير ذلك من السندات…الخ، فإذا لم تكن الورقة المُمضاة أو المختومة على بياض مُسلمة للخائن وإنما استحصل عليها بأية طريقة كانت فإنه يعد مزوِراً ويُعاقب بعقوبة التزوير}.

رابعاً- في إثبات واقعة التوقيع على بياض:

إذا لم ينكر المدعى عليه توقيعه على السند أو الورقة ودَفعَ بأن توقيعه كان على بياض ونازعَ بذلك المدعي حامل السند أو الورقة، بالتالي فإن واقعة توقيع الورقة على بياض هي واقعة مادية تجيز للمدعى عليه الذي احتُجَ عليه بتلك الورقة إثبات أنه قد قام بتوقيعها على بياض بكافة طرق الإثبات بما في ذلك شهادة الشهود.

 

وإن من أولى أولويات القاضي الناظر في الدعوى وفي حالِ المنازعة حول التوقيع على بياض من عدمهِ التثبت إبتداءً من أن الورقة أو السند أو مستند الدعوى المنظورة أمامه قد تم توقيعهُ على بياض حالَ طلب المدعى عليه ذلك وتسمية شهودهُ على واقعة أن الورقة أو السند موضوع الدعوى قد تم توقيعه من قبله على بياض، لما في ذلك من أهمية في مجريات الدعوى وحيثياتها ونتائجها وما سسيتخذه القاضي لاحقاً من إجراءات وما سوف يتشكل لديه من قناعات في الدعوى.

 

وليس في ذلك أي تعارض مع نص المادة (55) بيّنات التي منعت الإثبات بالشهادة فيما يُخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي لأن سماع القاضي لشهادة الشهود يكون محصوراً وقاصراً فقط على واقعة توقيع الورقة أو السند على بياض دون البحث في محتوى الورقة أو السند أو لإثبات عكس أو خلافَ ما جاء فيها لأن ذلك تحكمهُ قواعد أخرى في الإثبات وفق ما سنبينه لاحقاً، فقد جاء في قرار للغرفة المدنية الأولى لدى محكمة النقض ما يلي:

((إن واقعة توقيع سند على بياض هي واقعة مادية ويمكن إثباتها بكافة وسائل الإثبات… قرار 369 أساس 552 تاريخ 1997/6/14منشور في الصفحة 281 من الجزء الأول من مؤلف الإثبات في القضايا المدنية والتجارية للمحامي الدكتور محمد أديب الحسيني قاعدة رقم 558)).

كما جاء في قرار للغرفة المدنية الثانية لدى محكمة النقض ما يلي:
((إن توقيع السند أو الورقة ممن نُسبِت إليه لا يعدو كونه واقعة مادية يجوز إثباتها بالشهادة، على أن هذه الشهادة يجب أن تنصب على واقعة الكتابة أو التوقيع ذاتها، أي أن يشهد الشهود على أنهم رأوا الشخص المنسوب إليه السند أو الورقة وهو يكتبها أو يوقعها بخطه أو بخاتمه أو ببصمة إصبعه.

يحق للخصم إثبات أن الطرف الآخر هو من قامَ بالتوقيع أو البصمة على الورقة ولو كان السند تزيد قيمته عن الخمسمائة ليرة، باعتبار أن الشهادة تنصب على واقعة مادية هي مشاهدة واقعة التوقيع أو وضع البصمة…. قرار 764 أساس 984 تاريخ 1995/7/30 منشور في المرجع السابق ص 273 قا 535)).

خامساً- في إثبات خلاف ما تم عليه التوقيع على بياض:

يقول الأستاذ أحمد نشأت ضمن الصفحة 180 الفقرة 194 من الجزء الأول من مؤلفه رسالة الإثبات في التعهدات ما يلي: { والورقة الموقعة على بياض عندما تُملأ أي عندما يُكتَب في البياض الذي فوق التوقيع سند بدين أو مخالصة أو غير ذلك من السندات والعقود تصبح قيمتها كأية ورقة أخرى كُتِبت ثم وُقِّعَت، إلا أن للمدين الحق في أن يثبت أن ما كُتِبَ لم يكن هو المتفق عليه. ولكن لا يمنكه إثبات ذلك أي إثبات ما يُخالف ما كُتِبَ في الورقة إلا بالكتابة. ولا يمكنهُ الإثبات بالشهود ولا بالقرائن إلا إذا كان هناك مبدأ ثبوت بالكتابة اللهم إلا إذا كان هناك غش أو طرق إحتيالية أُمكنَ الحصولُ بها على تلك الورقة }.

وعليه فإن الأمر من شقين:

الأول:إذا كان حامل الورقة الموقعة على بياض قد استلمها شخصياً ممن قام بالتوقيع عليها على بياض وبتوقيع صحيح صادر عنه إلا أن حامل الورقة كتب عليها خلافاً لما هو متفق عليه.

الثاني: إذا كان حامل الورقة الموقعة على بياض قد استحصل عليها بالغش والخداع أو بالطرق الاحتيالية أو شاب الاستحصال على تلك الورقة عيباً من عيوب الإرادة كالجنون والعته والإكراه والتدليس والخطأ في العقد أو كان توقيع الورقة على بياض يخفي أمراً مخالفاً للنظام العام.

1- ففيما يتعلق بالشق الأول:

ليس لمن احتُجَ عليه بورقة وقَّعَها على بياض أن يثبت خلافاً لما كُتِبَ ضمن الورقة أو أن يثبت أن ما كُتبَ بها كان خلافاً للاتفاق مع من سلمهُ تلك الورقة إلا بالكتابة وليس له إثبات ذلك بشهادةِ الشهود “إذا عارض الخصم بذلك إبتداءً” ولو ثبُتَ أن توقيعه على الورقة كان على بياض طبقاً لما قضت به القواعد العامة في الإثبات والمادة (55) من قانون البيّنات وهو ما استقر عليه الاجتهاد القضائي من أن:

((إذا قام المدعى عليه بالتوقيع على سند السحب على بياض فهو ملزم بكافة البيانات التي تُدَوَن بعد ذلك في متن السند إلا إذا أثبت وفق القواعد العامة في الإثبات أن ما تم تدوينه هو خلاف المتفق عليه.

إن توقيع الورقة على بياض يفيد التفويض بإملائها حسب الاتفاق وقد استقر الاجتهاد على عدم جواز إثبات أن ما دُوِنَ هو خلاف المتفق عليه إلا وفق القواعد العامة – قرار نقض رقم 1695 تاريخ 1981/11/3… محكمة النقض الغرفة المدنية الأولى قرار 944 أساس 1117 تاريخ 2005/7/20 منشور في الصفحة 284 من الجزء الأول من مؤلف الإثبات في القضايا المدنية والتجارية للمحامي الدكتور محمد أديب الحسيني قاعدة رقم 563)).
((إن توقيع الورقة على بياض يفيد التفويض بإملائها حسب الاتفاق.

استقر الاجتهاد على عدم جواز إثبات أن ما دُوِّنَ هو خلاف المتفق عليه إلا وفق القواعد العامة في الإثبات – قرار نقض 1043 أساس 1248 تاريخ 2005/8/23… محكمة النقض الغرفة المدنية الأولى قرار 1043 أساس 1248 تاريخ 2005/8/23 منشور في المرجع السابق ص 284 قا 564 )).

((الاجتهاد القضائي قد استقر على أن توقيع الوثيقة على بياض لا يفقدها قوتها الثبوتية ما لم يقم الدليل على أن ما دُوِّنَ فيها هو خلاف ما اتُفِقَ عليه وفق القواعد العامة في الإثبات

– نقض قرار 1507 تاريخ 1982/7/27 … محكمة النقض الغرفة المدنية الأولى قرار 603 أساس 808 تاريخ 2006/8/30 منشور في المرجع السابق ص 285 قا 566)).
إلا أنه إذا توافرَ مع المدعى عليه الذي وَقَّع الورقة المُدعى بها على بياض مبدأ ثبوت بالكتابة مرتبط بتلك الورقة ومن شأنه أن يفيد بأن ما تم تدوينه عليها قد تم خلافاً لما تم الاتفاق عليه مع المدعي مُستلم الورقة حينها يجوز له قانوناً استكمال أدلته على ذلك بالشهود والقرائن “حتى ولو عارض الخصم بذلك”، سنداً لأحكام الفقرة الأولى من المادة (56) من قانون البيّنات بقولها:

((يجوزُ الإثبات بالشهادة في الإلتزامات التعاقدية حتى لو كان المطلوب تزيد قيمته على خمسمائة ليرة سورية إذ وُجِدَ مبدأ ثبوت بالكتابة)).

وهذا ما استقر عليه الاجتهاد القضائي من أن:

((التوقيع على بياض جائز ويقع عبء إثبات خلاف ما أملي في البياض على مدعيه.
العقد الموقع على بياض ينتج آثاره إلا أن من حق المدين أن يثبت أن ما كُتِبَ بالسند لم يكن هو المتفق عليه.

إذا كان المشرِّع قد أجاز للمدين الحق في أن يثبت أن ما كُتِبَ لم يكن هو المتفق عليه ولكن لا يمكن إثبات ذلك، أي إثبات ما يخالف ما كُتِبَ في السند، إلا بالكتابة إلا إذا توافر لديه مبدأ الثبوت بالكتابة فيجوز استكماله بالشهود والقرائن… نقض قرار 379 أساس 269 تاريخ 1995/4/30 منشور في الصفحة 274 من مجموعة أحكام النقض في قانون البينات للأستاذ عبد القادر جار الله الألوسي قاعدة رقم 451)).

(( في سورية استقر اجتهاد محكمة النقض على أن إثبات ما يخالف السند الموقع على بياض لا يتم بغير الوسائل الكتابية ما لم يوجد مبدأ ثبوت بالكتابة أو سبب قانوني آخر يجيز سماعها أو إذا كان التوقيع قد حصل نتيجة الغش والاحتيال، وفي هذه الحالات يجوز إثبات خلاف ذلك السند بكل الوسائل التي أقرَّها القانون… محكمة النقض الغرفة المدنية الثانية قرار 748 أساس 863 تاريخ 1999/5/16 منشور في الصفحة 282 من الجزء الأول من مؤلف الإثبات في القضايا المدنية والتجارية للمحامي الدكتور محمد أديب الحسيني قاعدة رقم 559)).

فما هو مبدأ الثبوت بالكتابة – “commencement of proof in writing”
عرَّفت الفقرة الثانية من المادة (56) من قانون البيّنات مبدأ الثبوت بالكتابة بأنه: ((كل كتابة تصدر عن الخصم ويكون من شأنها أن تجعل وجود العقد قريب الاحتمال)).

وجاء في الفقرة 103 من المذكرة الإيضاحية لقانون البيّنات أن: { الورقة المكتوبة التي تتضمن ما يجعل وجود العقد قريب الاحتمال تزيل المحاذير التي أدت إلى استبعاد الإثبات بالشهادة، فمما لا ريب فيه أنه إذا انضمت إلى هذه الورقة شهادات مقنعة تؤيدها ظهر من اجتماعها دليل جدير بأن يعتبر كاملاً}.

يقول المرحوم الأستاذ محمد فهر شقفة في الصفحة 73 من مؤلفهِ الإثبات بالبينة الشخصية في القضايا المدنية والتجارية والشرعية والجزائية ما يلي: { كما جاء في الفقرة 104 من المذكرة الإيضاحية لقانون البيّنات أن الورقة التي تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة يجب أن تستوفي الشرطين الآتيين:

الأول- أن تصدر عن الخصم نفسه، ويعد كالخصم خلفه وممثله القانوني، فالكتابة الصادرة عن المؤرث تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضد وريثه، والكتابة الصادرة عن الوكيل ضمن نطاق وكالته تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة بحق الموكل.

وليس من الضروري أن تحمل الورقة توقيع من صدرت عنه، بل يكفي أن تكون معبرة عن إرداته، فالأوراق المنزلية والرسائل الخاصة والإفادات المدونة في ضبوط المحاكمة تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة (الفقرة 105 من المذكرة الإيضاحية).

الثاني- أن تتضمن ما يجعل العقد قريب الاحتمال، وليس من الضروري أن يبحثَ فيها عن العقد نفسه، فالإيصال الموقع من المؤجر بأجرة دار عن مدة معينة يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة على عقد الإيجار وإيصال قبض الفائدة مبدأ ثبوت بالكتابة على عقد القرض}.

أما فيما يتعلق بالشروط الواجب تحققها في مبدأ الثبوت بالكتابة فيقول في ذلك المرحوم الأستاذ محمد فهر شقفة ضمن الصفحة 73 وما بعدها من ذات مؤلفهِ الوارد ذكره أعلاه وبإيجاز ما يلي:

{1- الورقة المكتوبة:
لا بد لتحقيق مبدأ الثبوت بالكتابة من ورقة مكتوبة موجودة في الدعوى، أو أن يكون المتمسك بها ضده مقراً بوجودها، إذ لا يجوز إثبات وجودها وتعذر تقديمها بشهادة الشهود ولا يشترط في الورقة حتى تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة شكل معين وإنما يمكن أن تكون ورقة مفكرة أو ضبط شرطة أو ضبط محاكمة أو دفتراً تجارياً أو مذكرات خاصة أو محضر استجواب لأن المشرِّع لم يشترط سوى الكتابة دون أن يقرنها بأي شكل معين وبذلك تبقى مطلقة كما أطلقها المشرِّع.

ولا يشترط في الكتابة حتى تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة إلا شرط واحد وهو أن تكون تلك الكتابة متعلقة بالواقعة المُراد إثباتها، فالكتابة المثبتة لدفع الفوائد تشكل مبدأ ثبوت بالكتابة على وجود الدين، وورقة الحساب مبدأ ثبوت بالكتابة على المخالصة، ,وإيصال الإيجار مبدأ ثبوت بالكتابة على وجود عقد الإيجار. إلا أنه لا يمكن اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة على اعتباره متعلقاً بواقعة البيع.

ومما تجدر ملاحظته أن الورقة المكتوبة حتى تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة يجب أن تكون الورقة الأصلية ولا يغني عنها إبراز صورة فتوغرافية، ولذلك فإن الصورة الفوتوغرافية لا تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة*.

* ((إلا أنني وفي صدد الصورة الفوتوغرافية وبما أورده المرحوم الأستاذ الشقفة عن عدم جواز اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة فإنني أرى بأنه من غير الجائز اعتبارها كذلك في حال أنكرها الخصم وعارض بها بكونها صورة فوتوغرافية أما إذا ناقش الخصم بالصورة الفوتوغرافية وبحث بها فقد بات من الجائز اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة طبقاً لما استقر عليه اجتهاد الهيئة العامة لدى محكمة النقض واجتهاد محكمة النقض من أن: “إذا لم ينازع المدعى عليه بصحة الصورة وناقش ذلك فإن لها قوة في الإثبات بالمفهوم المخالف لاجتهاد الهيئة العامة رقم 35 لعام 1995 الذي لم يجعل للصورة الضوئية أية قيمة في الإثبات متى تنازع الخصوم فيها ولم يجرِ الإقرار بصحتها… هيئة عامة قرار 2 أساس 80 تاريخ 2004/1/25 منشور في الصفحة 366 من الجزء الأول من مؤلف الإثبات في القضايا المدنية والتجارية للمحامي الدكتور محمد أديب الحسيني قاعدة رقم 750” /// “من احتُجَ عليه بسند عادي وبحث فيه لا يُقبلُ من إنكار التوقيع، ويستوي في ذلك ما إذا كان أصل السند مبرزاً أم صورة عنه مادام المدعي قد ناقش مضمون الصورة ولم ينكر صدور السند عنه… محكمة النقض الغرفة المدنية الثالثة قرار 2463 أساس 2532 تاريخ 1998/11/22 منشور في المرجع السابق ص 357 من الجزء الأول قا 729”)).

2- صدور الكتابة عن الخصم:

يمكن اعتبار مبدأ ثبوت بالكتابة متى كانت صادرة عن الخصم سواءً كانت موقعة أو غير موقعة، وكما أن الكتابة المجردة عن التوقيع يمكن اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة، فكذلك التوقيع دون كتابة يمكن اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة أيضاً فالتوقيع على ظهر الشيك يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة لإحالة الحق فيه إلى الحامل ولو لم يدون صاحب الشيك هذه الحوالة، تعتبر الورقة وكأنها صادرة عن الخصم إذا كانت صادرة عمن يمثله قانوناً كوكيله، أو نائبه، أو محاسبه، أو وصيَّهُ إذا كان قاصراً، أو القيم عليه إذا كان محجوراً عليه، أو صادرة عن سلفه فالأوراق الصادرة عن المؤرث يقيد الوارث والصادرة عن المدين تقيد الدائن العادي كما تقيد الدائن الذي يستعمل حقوقه.

 

ولذلك تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضد الوارث أو الدائن. إلا أن الورقة الصادرة عن النائب أو الوكيل لا تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة إلا إذا كانت صادرة ضمن حدود النيابة أو الوكالة وإذا أناب النائب أو الوكيل غيره وكان يحق له ذلك فإن الكتابة الصادرة من وكيل الوكيل أو نائب النائب تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة أيضاً، وإقرارات الخصم أمام القضاء تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة متى دُوِّنت على الضبط ولا يشترط اعتبار الإقرار كله كوحدة لا تتجزأ مبدأ ثبوت بالكتابة وإنما يمكن للقاضي اعتبار شطر منه كمبدأ ثبوت بالكتابة أو حتى كلمة منه وبذلك يحق للقاضي في هذه الحالة فقط تجزئة الإقرار المركب.

3- الدليل الناقص:

يشترط لاعتبار الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة أن تكون دليلاً ناقصاً ولا تشكل دليلاً كاملاً، لأنها لو كانت دليلاً كاملاً لما احتاج المتمسك بها إلى تكملتها بالبينة الشخصية.

فإيصال قبض الأجور هو دليل ناقص على وجود عقد الإيجار يجيز للمتمسك به إثبات العقد وشروطه بالبينة الشخصية أما عقد الإيجار فهو دليل كامل لا يحتاج معه إلى تكملة بالبينة الشخصية.

وإيصال قبض الثمن أو جزء منه دليل ناقص على عقد البيع ويجيز للمتمسك به إثبات عقد البيع وشروطه بالبينة الشخصية، أما عقد البيع فهو دليل كامل لا يحتاج معه إلى تكملة بالبينة الشخصية …وهكذا.

4- أن تجعل الكتابة العقد قريب الاحتمال:

يشترط في الورقة حتى تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة أن تكون الكتابة فيها دالة على الواقعة حتى تجعلها قريبة الاحتمال. ولا يشترط أن تنصب دلالتها على الواقعة المُراد إثباتها بعينها. وإنما يكفي أن تكون مؤدية إلى إثبات تلك الواقعة أو مؤدية إلى تكوين قرائن لإثباتها، واكتفت محكمة النقض السورية أن تكشف الكتابة من قريب أو بعيد عن الواقعة المُراد إثباتها حتى تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة.

5- اجتماع الشروط:

حتى تعتبر الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة لا بد من توافر الشروط السابقة فيها مجتمعة، فإذا تخلف شرط واحد منها فلا تعتبر الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة}.
وفيما يلي أمثلة عملية عن مبدأ الثبوت بالكتابة:

ضبوط المحاكمة:

((إن الأقوال الواردة في ضبوط المحاكمة يمكن اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة (الفقرة 105) من المذكرة الإيضاحية ولو لم تكن منصبة على الواقعة وإنما يكفي أن يكون هناك ارتباط بين موضوعها والواقعة المُراد إثباتها يجعلها قريبة الاحتمال… قرار نقض رقم 886/1020 تاريخ 1980/6/14 منشور في مجلة المحامون لعام 1981 ص 39)).
((أجاز المشرِّع الإثبات بالشهادة عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة.

إن ضبوط جلسات المحاكمة وما جاء فيها من إفادات تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة… هيئة عامة قرار 586 أساس 254 تاريخ 2004/10/11 منشور في الصفحة 667 من الجزء الثاني من مؤلف الإثبات في القضايا المدنية والتجارية للمحامي الدكتور محمد أديب الحسيني قاعدة رقم 1174)).

ضبوط الشرطة:

((إن قول الشخص في ضبط الشرطة يمكن أن يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة إذا لم ينكره صاحبه ولم يثبت الإكراه…قرار نقض 307/1019 تاريخ 1981/5/31 منشور في مجلة المحامون لعام 1981 ص 1169)).

محاضر الاستجواب:

((إن اعتراف المدعي حين الاستجواب بواقعة الاستقراض من عيسى وتحريره سنداً واستبداله بآخر على الصورة المدعى بها، وزعمه أن السند المدعى به هو خلاف السند الذي بقي بلا سبب، مع عدم تمكنه من إبراز سند آخر يؤيد زعمه هذا يعتبر مبدأ بينة مسوغاً لإثبات صورية السند بالبينة الشخصية… قرار نقض 1374 تاريخ 1954/4/29 منشور في الإثبات بالبينة الشخصية في القضايا المدنية والتجارية والشرعية والجزائية للمرحوم محمد فهر شقفة ص 82)).

((يمكن اعتبار محضر الاستجواب من قبيل مبدأ الثبوت بالكتابة ولو كان في قضية أخرى….. محكمة النقض الغرفة المدنية الثانية قرار 667 أساس 1236 تاريخ 1998/4/26 منشور في الصفحة 665 من الجزء الثاني من مؤلف الإثبات في القضايا المدنية والتجارية للمحامي الدكتور محمد أديب الحسيني قاعدة رقم 1171)).

((الاجتهاد مستقر على أن محاضر الاستجواب تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة، وأساس هذه القاعدة أن الأوراق القضائية وما نحوها حتى ولو كانت في قضية أخرى وأقوال الخصوم في محاضر الاستجواب تصلح كبدء بينة خطية {نقض قرار 1255/605 تاريخ 1975/6/25 والقرار1030/866 تاريخ 1980/6/14}.

إن محاضر الاستجواب أمام المحكمة تعتبر بدء البينة الخطية تجيز الإثبات بالبينة الشخصية إذا تمسك الخصم بذلك… هيئة عامة قرار 132 أساس 244 تاريخ 1998/6/15 منشور في المرجع السابق ص 669 قا 1178)).

إقرارات الخصوم ومذكرات المحامي الوكيل:

((المذكرة الإيضاحية /59/ بيّنات أجازت الإثبات بالشهادة عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة، وقد عرّف هذا المبدأ بأنه كل كتابة تصدر عن الخصم ويكون من شأنها أن تجعل وجود العقد المدعى به قريب الاحتمال.

الاجتهاد مستقر على أن إقرارات الخصوم التي يدلون بها وتدون تحت إشراف موظف مختص تجعل الالتزام قريب الاحتمال.

إن الكتابة الصادرة عن الوكيل ضمن نطاق وكالته تعتبر كأنها صادرة عن الموكل ويُحتج بها كمبدأ ثبوت بالكتابة، فالمذكرات التي يقدمها المحامي نيابةً عن الموكل تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ضد الموكل… محكمة النقض الغرفة المدنية الثانية قرار 1545 أساس 1117 تاريخ 1995/12/30 منشور في الصفحة 664 من الجزء الثاني من مؤلف الإثبات في القضايا المدنية والتجارية للمحامي الدكتور محمد أديب الحسيني قاعدة رقم 1170)).

2- فيما يتعلق بالشق الثاني:

وهو حالة ما إذا كان حامل الورقة المُوقعة على بياض قد استحصل عليها بالغش والخداع أو بالطرق الاحتيالية أو شاب الاستحصال على تلك الورقة عيباً من عيوب الإرادة كالجنون والعته والإكراه والتدليس والخطأ في العقد أو كان توقيع الورقة على بياض يخفي أمراً مخالفاً للنظام العام، فهنا وبكل بداهة لا تسري قاعدة الأدلة الكتابية أو مبدأ الثبوت بالكتابة، إذ يحقُ لمن وَقَّع الورقة على بياض أن يثبت مباشرةً كافة ما ذكر بكافة طرق الإثبات بما في ذلك الشهادة والقرائن ويطلب من حيث النتيجة إبطال تلك الورقة لأن الأصل في صحة الأوراق بما في ذلك ما تم توقيعه على بياض هو سلامة الرضا من كل عيب أو غش أو إكراه أو أي سبب آخر من الأسباب المفسدة للرضا وهذه جميعها وقائع مادية من الجائز إثباتها بكافة طرق الإثبات بما في ذلك شهادة الشهود، وفي هذا يقول الأستاذ أحمد نشأت ضمن الصفحة 88 والصفحة 89 الفقرة 88 من الجزء الأول من مؤلفه رسالة الإثبات في التعهدات ما يلي: { ويُلاحظ أن قاعدة عدم إثبات ما يُخالف الكتابة أو ما لم يرد بها إلا بكتابة مثلها لا تسري إذا كان هناك غش أو تدليس إذ ليس في الاستطاعة أخذ كتابة بذلك على الغاش أو المُدَّلِس، وكذلك إذا كان هناك إكراه أو تسلط على الإرادة} فالأصل أن المشرِّع وكما بينا سابقاً لم يُحرِّم التوقيع على بياض إلا أنه وبالمقابل حرَّم الاستحصال على هكذا توقيع عن طريق أساليب الغش والخداع لأن التوقيع على بياض يقوم في أساسه على الثقة المطلقة في شخص من جرى تسليمه الورقة المُوقعة على بياض كما بينا سابقاً وفي هذا تقول الهيئة العامة لمحكمة النقض ما يلي:

((لم يُحرِّم المُشرِّع على المتعاقدين أن يصدر فيما بينهم سندات على بياض وهذا يعني الثقة المطلقة، وإنما حرَّم المُشرِّع أساليب الاحتيال في مثل هذه السندات… هيئة عامة قرار 384 أساس 769 تاريخ 2003/10/19 منشور في الصفحة 283 من الجزء الأول من مؤلف الإثبات في القضايا المدنية والتجارية للمحامي الدكتور محمد أديب الحسيني قاعدة رقم 560)).

فإذا شاب الاستحصال على السند المُوقع على بياض أي غش أو احتيال أو تدليس أو أي سبب من الأسباب المفسدة للرضا أو كان يخفي سبباً مخالفاً للنظام العام، كان لمن احتُج عليه بذلك السند أن يثبت ذلك بكافة طرق الإثبات وعن طريق شهادة الشهود، وهذا ما استقر عليه الاجتهاد القضائي من أن:

(( في سورية استقر اجتهاد محكمة النقض على أن إثبات ما يخالف السند الموقع على بياض لا يتم بغير الوسائل الكتابية ما لم يوجد مبدأ ثبوت بالكتابة أو سبب قانوني آخر يجيز سماعها أو إذا كان التوقيع قد حصل نتيجة الغش والاحتيال، وفي هذه الحالات يجوز إثبات خلاف ذلك السند بكل الوسائل التي أقرَّها القانون… محكمة النقض الغرفة المدنية الثانية قرار 748 أساس 863 تاريخ 1999/5/16 منشور في المرجع السابق ص 282 قا 559)).
((من المعلوم فقهاً واجتهاداً أنه مادامت الورقة قد وُقِّعَت على بياض فهي مبدئياً تعتبر ذات قوة وإن من وَقَّع على بياض يعتبر قد أجاز العقد أو فوَضَ المُوَقَّع له إملاء الورقة، إلا أنه يخرج عن هذا المبدأ ما إذا كانت الورقة قد حصل عليها خِلسةً أو نتيجة غش أو بطرق احتيالية ويجوز إثبات ذلك بكافة الطرق… محكمة النقض قرار 1314 أساس 1719 تاريخ 1999/8/23 منشور في المرجع السابق ص 281 قا 557)).
وفي الختام

كانت تلك قراءة متواضعة في موضوع التوقيع على بياض وما يحكمهُ من نصوصٍ وحالات في الفقه والقانون والاجتهاد، إلا أن الخلاصة الأهم في هذا المجال هو أن الأصل في التوقيع على بياض يقوم من حيث المبدأ على الثقة المطلقة وما كان لشخص ما أن يوقع على بياض إلا لثقته المطلقة بشخص من استلم منه الورقة التي تحمل ذلك التوقيع وبعد أن اتفقا على ما سيجري تحريره في تلك الورقة لاحقاً أو ما تعلق بأصل الحَقّ والضمانة الأساسية التي تم بناءً عليها توقيع الورقة أو السند على بياض، وعليه فإنه يتحتم على القاضي الناظر بالدعوى وبعد أن يثبُتَ أمامه أن السندَ أو الورقة أو العقد قد جرى توقيعه على بياض أن يتأني في تدقيق الدعوى وملابساتها ويعملَ جاهداً في سبيل الوصول إلى حقيقتها وله بذلك الاستعانة بالاستجواب كي يشكل قناعته الوجدانية في الدعوى ويصدر حكمهُ الفاصل فيها، وهو ما أعلمهُ عن الكثير من السادة القضاة الذين يجهدون بالاستعانة بالاستجواب كي يشكلوا قناعتهم في ظروف الدعوى وملابساتها في سبيل العدالة حين إصدارهم للأحكام.
والرأي في النهاية للبحث والمناقشة.

بقلم المحامي هيثم نورس

كيف وجدت الموضوع؟

اضغط على النجوم للتقييم!

معدل التقييم 0 / 5. عدد الاصوات: 0

كن أول من يشارك في التقييم.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

افتح المحادثة
1
تواصل مع المحامي
مرحبا
نحن هنا لمساعدتك اذا كان لديك استفسار او ترغب في توكيل المحامي، فلا تترد بالتواصل مع المحامي .