الإجازة السنوية في نظام العمل

المحامي الأستاذ عبد الفتاح الديه

تكمن أهمية الإجازة السنوية لكونها تساعد على ولادة شيء من التوازن بين التزامات العمل والتزامات الحياة بشكل عام، وكذلك فمن من شأن الإجازة السنوية أن تكون عامل مساعد على مضاعفة الإنتاج، فأداء الموظف سيختلف وبشكل إيجابي وملحوظ بعد عودته من إجازته،

أو هكذا يُفترض، ولعل كل هذه الفوائد دفعت لأن تتعلق الإجازة السنوية بالنظام العام وترتبط به حداً لا يجوز فيه للعامل التخلي عنها، حيث ألزم قانون العمل 17 / 2010 بذلك بنص صريح في المادة / 158 /: (يحظر كل اتفاق يقضي بالتخلي عن حق العامل في الإجازة المتصلة المنصوص عليها في المادة /160/ من هذا القانون أو التنازل عنها لقاء تعويض لأي سبب كان، وذلك كله تحت طائلة البطلان)

لأهمية الإجازة السنوية وتعلقها بالنظام العام بهذا الشكل الوطيد سيكون من الجيد لو تطرقنا بإيجاز للتعريف بها وبمدتها وعن استحقاق الأجر فيها وعن السلطة المخولة والمسؤولة عن تحديدها وكذلك أيضاً عن إمكانية تأجيلها وتجزئتها وكل ما يتصل بها.أولاً: مدة الإجازة السنوية: بحسب قانون العمل السوري فمدة الإجازة السنوية تختلف من عامل لآخر، ذلك أن مدتها تتناسب بصورة طردية مع خدمة العامل،

حيث راعى المشرع السوري مسألة تقدم الموظف بالعمر وبالتالي قَدر حاجته البديهية للراحة أكثر نتيجة كِبر السن، ولذلك تدرجت مدة الإجازة السنوية بحسب قانون العمل السوري من أربعة عشر يوماً لتصل إلى ثلاثين يوماً، ومهما كانت مدة الإجازة فإنها تبدأ من التاريخ الفعلي لبدء الموظف لعمله، مُحصناً من أي تغيير يطرأ على ملكية المنشأة حيث يعمل، ولقد أتت المادة / 155 / على تفصيل مدة الإجازة السنوية :

أ- للعامل الحق بإجازة سنوية لمدة أربعة عشر يوم عمل بأجر كامل لمن أمضى في الخدمة سنة كاملة ولم تتجاوز مدة خدمته خمس سنوات.ب- تزاد الإجازة إلى واحد وعشرين يوم عمل متى أمضى العامل في الخدمة خمس سنوات ولم تتجاوز مدة خدمته عشر سنوات. ج- تزاد الإجازة إلى ثلاثين يوم عمل لمن أمضى في الخدمة عشر سنوات فأكثر أو تجاوز الخمسين من عمره. د- لا يدخل في حساب الإجازة السنوية أيام الأعياد والمناسبات الرسمية والراحة الأسبوعي.هـ- إذا قلت مدة خدمة العامل عن سنة استحق إجازة بنسبة المدة التي قضاها في العمل. فيما يلي بعض الاجتهادات القضائية حول الإجازة السنوية ومدتها: (إن الإجازة السنوية هي التزام على عاتق صاحب العمل ويجب منحها إلى العامل سنويا في مواعيد تتفق ومصلحة العمل وأنها بحكم المواد الآمرة التي وردت بنصوص القانون والتي هي من النظام العام لا تسقط إلا بالمنح العيني أو تحديد موعدها وتبليغ ذلك إلى العامل فإذا لم يمتثل في استعمالها في الموعد المحدد سقط حقه فيها وفي بدلها أيضا كما استقر عليه اجتهاد محكمة النقض. القرار رقم 894 لعام 1983 أساس 207 -محكمة النقض – مجلة المحامون لعام 1983(يحتسب مقدار مدة الإجازة السنوية المستحقة للعامل على أساس خدمته الفعلية أو ما في حكمها في اليوم الأول للسنة التي يستحق فيها الإجازة وإن إتمام العامل مدة عشر سنوات في الخدمة بعد اليوم الأول في السنة لا يؤثر على مقدار الإجازة السنوية المستحقة له).

قرار 29 لعام 1995 أساس 644 – مبادئ المحكمة الإدارية العليا لعام 1995 ثانياً: استحقاق الأجر خلال مدة الإجازة السنوية: يستأهل العامل لأجره بشكل كامل خلال قضائه لفترة إجازته السنوية فمن غير الممكن وغير المنطقي أن يُمنح إجازة ترمي لراحته وبالمقابل يلحق بها خسارة مالية من شأنها أن تضر به! ولهذا كان لابد أن يستحق أجره كاملاً خلال مدة الإجازة السنوية، إلا أن ذلك ليس مطلقاً دائماً حيث ذكرت المادة / 162 / من قانون العمل السوري:(لصاحب العمل أن يحرم العامل من أجره عن مدة الإجازة أو يسترد ما أداه له من أجر عنها إذا ثبت اشتغاله خلالها لحساب صاحب عمل آخر)

وهنا نلاحظ ورود استثناء من استحقاق العامل لأجره كاملاً خلال مدة الإجازة السنوية، فمتى باشر العامل عملاً آخر غير عمله ولصالح صاحب عمل آخر جاز لصاحب العمل أن يقطع عليه أجره أو يسترده في حال كان قد سلمه له.ثالثاً: السلطة المسؤولة عن تحديد وقت الإجازة:صاحب العمل هو المسؤول وصاحب السلطة في تحديد وقت الإجازة، وله أن يحددها وفق ما يراه مناسباً لعمله، فأحياناً يفضل بعض أصحاب العمل أن يمنحوا الإجازات لعمالهم بالتناوب فيما بينهم على سبيل المثال، فالثابت أنهم يحددونها وفقاً لما يرونه مناسباً لضمان استمرارية ونجاح عملهم وإنتاجيتهم، ولقد أتت المادة / 157/ على تحديد صاحب العمل كمسؤول عن تحديد وقت الإجازة السنوية وتفاصيلها المتعلقة بها: أ- يحدد صاحب العمل مواعيد منح الإجازة السنوية

لعماله حسب مقتضيات العمل وظروفه على أن يتم إعلام العامل عن مواعيد استعمال هذه الإجازة قبل شهر على الأقل من مواعيد استعمالها ويلتزم العامل باستعمال إجازته السنوية في الموعد المحدد له. ب‌- على صاحب العمل تمكين العامل من التمتع بإجازته السنوية المنصوص عليها في هذا القانون إلا إذا وجدت أسباب جدية تتعلق بطبيعة العمل أو ظروفه تستدعي تأخير منح الإجازة شريطة استعمال ستة أيام متصلة من إجازته السنوية المنصوص عليها في المادة 160 من هذا القانون وفي هذه الحالة تضم أيام الإجازة المتبقية إلى إجازته السنوية في السنة اللاحقة أو يعوض له صاحب العمل عنها نقداً.رابعاً: الإجازة السنوية وإمكانية التجزئة والتأجيل: تمتد سلطة صاحب العمل وحريته في اختيار توقيت الإجازة السنوية لتصل لسماح القانون

له بإمكانية تجزئة هذه الإجازة، فلم يأتي القانون على ذكر ضرورة أن يعطي صاحب العمل للعامل إجازته السنوية دفعة واحدة، وبناءً على ذلك فقد تم منح صاحب العمل رخصة تجزئة الإجازة بما يراه مناسباً للحفاظ على ديمومة عمله وجودة إنتاجه، إلا أن كل هذه الحرية الممنوحة لصاحب العمل في مجال الإجازة السنوية لا بد وأن يرد عليها بعض القيود، فلا يجوز مثلاً تجزئة الإجازة السنوية المقررة للأحداث وذلك ووفقاً لما جاء في المادة / 160 /: (يجب على صاحب العمل أن يمكّن العامل من الحصول على ستة أيام متصلة من إجازته السنوية في السنة على الأقل، أما الأيام المتبقية فيجوز له منح ما تبقى منها بشكل مجزأ وفقاً لمقتضيات المصلحة، ولا يسري هذا الحكم على الإجازة المقررة للأحداث (.وأما فيما يتعلق بتجزئة الإجازة فوردت أيضاً بعض القيود فلا يجوز تجزئتها إلا فيما زاد عن ستة أيام متصلة وبالتالي فإن كل ما زاد عن ستة يجوز تجزئته.بقي لنا أن نذكر أن القانون منح للعامل إمكانية تأجيل إجازته إلى السنة التالية لسنة الاستحقاق إلا أن هذه الإمكانية وهذه الرخصة مقيدة بشرط تقديم العامل لطلب ذلك بصورة خطية وموافقة صحب العمل على ذلك

وذلك بحسب ما جاء في المادة / 161 /: أ- يجوز للعامل تأجيل رصيد إجازاته السنوية المتبقية إلى السنة التالية وذلك بطلب خطي مقدم منه وموافق عليه من صاحب العمل. ب‌- في حال عدم تمكين صاحب العمل العامل من التمتع بالرصيد المتبقي من إجازته عن السنة المنصرمة فإن حق العامل ينقلب إلى البدل النقدي عنه.وهكذا نجد أن قانون العمل السوري والاجتهادات القضائية المتعلقة به قننت ونظمت كل ما يتعلق بالإجازة السنوية، فجعل أجر العامل بها مستحقاً بعد أن جعل الإجازة ككل حقاً لا يمكن حتى للعامل نفسه التفريط به وذلك بعد أن تم ربطها بالنظام العام الذي لا يجوز مخالفته، فكان من الجيد أن أتى قانون العمل على ذكر مدتها وسمح بتجزئتها وتأجيلها بعد أن حديد صاحب العمل كمسؤول عن منحها مقيداً إياه ببعض القيود لمصلحة العامل، وإننا نرى أن الإجازة السنوية على قدر كبير من الأهمية ففي نهاية المطاف العامل إنسان له طاقة جسدية و يحتاج لقسط من الراحة بلا أدنى شك، وإننا نتطلع لصياغة آلية يتم فيها تنفيذ قانون العمل ونظام الإجازة السنوية على كل القطاعات وبكل المنشآت العامة والخاصة مهما كبرت أو صغرت وبالإلزام والإجبار حفاظاً على العامل الذي غالباً ما يسعى صاحب العمل في القطاع الخاص لاستغلاله والتعدي على وقته ومقدرته متهرباً من قانون العمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *