القاضي الذي دس أنفه كثيرا

أفضل محامي في حدة

                                     أفضل محامي في حدة

يحكي أن هناك قاضٍ يتكلم كثيراً جداً، فهو يسأل أكثر من اللازم سؤالاً وراء الآخر في استرسال سريع. يسأل الشهود من المنصة والمحامين حول مرافعاتهم ويبالغ في السؤال حتى أغراهم بإحصاء الأسئلة، فكانت أسئلته تجاوز أسئلة محاميين الخصمين مجتمعين فما كان من المحاميين إلاّ أن اتخذ من كثرة أسئلته أساساً للاستئناف.
كان ذلك القاضي الإنجليزي السير هيوج أمبيرت بيريام هاللت. كان قاضياً لمدة سبعة عشر عاماً، وقد اكتسب شهرة فائقة عندما كان مستشاراً صغيراً ثم بعد أن أصبح مستشاراً أستاذاً في المحاماة بسبب علمه القانوني. فعين قاضياً سنة 1939م. مارس القضاء على نحو طيب، فقد أصبح ينهمك في أدق تفاصيل القضية، وفي إحدى القضايا العادية وهي قضية جون ضد لجنة الفحم القومية.
أنهار سقف أحد مناجم الفحم فدفن تحته أحد عمال المناجم ملاقياً حتفه.
طالبت الأرملة بالتعويض، فنظر هاللت الدعوى في محكمة منشستر، وقضى برفض الدعوى. استأنفت الأرملة الحكم مقيمة استئنافها على أسباب من بينها أن مقاطعة القاضي لها جعلت من المستحيل على محاميها أن يبرز دعواها على نحو سليم.
أما لجنة الفحم القومية فقد تقدمت باستئناف فرعي يتضمن – بين أسباب أخرى – القول أن مقاطعة القاضي منعتها من الحق في محاكمة عادلة.
وقد جاء حكم محكمة الاستئناف خلال ثلاثة أسابيع – من المألوف إصدار الحكم فور انتهاء المرافعات – كما يلي:-
((يؤسفنا أن يكون من نصيبنا النظر في هذه الشكوى ضد قضاة صاحب الجلالة، بيد أن ذلك علينا فرض، لأنه لن يتسنى لنا إقامة العدل بين الخصوم إذا اكتفينا بالقول إن الوقائع الأولية قد ثبتت أمام قاضي الموضوع في محاكمة عادلة بين الخصوم، ذلك أنه متى ثبتت الوقائع الأولية بشكل أمين فإننا نكون في موقف يماثل موقف قاضي الموضوع لترتيب النتائج على تلك الوقائع. غير أننا لا يسعنا التصدي لهذه المهمة ما لم تكن قد توفرت الأسس التي تقوم عليها هذه الوقائع.
ومع ذلك فقد اقتنعنا بأن أوجه التدخل في هذه الدعوى كانت أكثر كثيراً مما هو لازم ومن خلال هذه الواقعة أصدر اللورد الدون كلمته المشرقة:-
((من الأفضل اكتشاف الحقيقة بأقوال ساطعة تجيب على جانبي السؤال)).
كما أصدر اللورد جرين رئيس محكمة الاستئناف كلمته:-
((إن أفضل سبيل للعدالة أن يمسك القاضي الميزان بين الخصمين المتنازعين دون أن يشارك هو في النـزاع فإذا قرر للقاضي أن يباشر استجواب الشهود بنفسه فإنه يهبط إلى حلبة الصراع معرضاً نفسه لغبار المعركة بما تغيم معه الرؤية)).
لندع المحامين واحداً تلو الآخر يثقل الميزان فالقاضي – في النهاية – هو من يقرر أي كفتى الميزان ترجح ولو طفيفاً.
فمهمة القاضي في كل هذا أن يولي الأدلة أذناً صاغية، وألاَّ يوجه بنفسه السؤال إلى الشاهد إلاّ إذا استدعت الضرورة استجلاء نقطة أهملت غامضة ليتحقق من أن المحامين قد تصرفوا على مقتضى اللياقة وفقاً لقواعد القانون.
وقد صور اللورد رئيس القضاء هذا الأمر بقوله ((إن الصبر وحسن الإصغاء يمثلان عنصراً جوهرياً في العدالة وأن القاضي الثرثار يغدو نشازاً)).
وبما أن محكمة الاستئناف ترى أن المستأنفين- الأرملة ولجنة الفحم القومية يقفان – في هذا الصدد على قدم سواء، فقد رأت منح الأرملة فرصة لمحاكمة جديدة عادلة تستطيع من خلالها تقديم قضيتها على نحو سليم أمام القضاء.
فلا يجوز خسران الدعوى إلاّ إذا قرر القاضي أنها خاسرة ولا يجوز للقاضي التقرير بدون محاكمة عادلة، ولا لنا أن نؤيد ما ذهب إليه.
فما كان من رئيس المحكمة الاستئنافية إلا طلب القاضي ورتب الأمر على أن يستمر في منصبه لفترة وجيزة، ليقدم بعدها الاستقالة، وهذا ما فعله بنهاية عطلة الصيف. وأصبح القاضي هاللت كالعنزة الجرباء أفردها القطيع. فليتحسس البقية جلودهم.
——————–
منشور في صحيقة الحقوق العدد الخامس، سبتمبر -أكتوبر 20022م-




عن admin

admin كتب 22 مقال في أفضل محامي في جدة

كتابة تعليق